كلمة الرئيس نجيب ميقاتي في حفل تخريج طلاب معاهد العزم والسعادة
الأربعاء، ١٥ تموز، ٢٠٢٦
أيها الحفل الكريم
أبنائي وبناتي الخريجين،
يسعدني أن أكون بينكم اليوم في هذه المناسبة التي نحتفل فيها بتخرج دفعة جديدة من شباب معاهد السعادة، الذين اختاروا طريق العلم والمعرفة، إيماناً منهم بأن الأوطان تُبنى بالعقول، وأن الاستثمار الحقيقي هو في الإنسان.
أبارك لكم تخرجكم، وأحيّي بداية وزارة التربية ومديرية التعليم المهني التي نتعاون وإياها في هذا المشروع التربوي الرائد. كما أحيي عائلاتكم التي واكبت مسيرتكم، وأساتذتكم ومعاهدكم، وهذا ما يؤكد مرة جديدة، أن لبنان، على رغم كل الصعوبات، لا يزال منارة للعلم والثقافة والإبداع.
أيها الأحبة،
تتخرجون في مرحلة دقيقة يمر بها وطننا، حيث تتداخل التحديات الاقتصادية والاجتماعية مع التطورات السياسية والأمنية التي تشهدها المنطقة. غير أن لبنان، الذي عرف كيف ينهض من محطات أصعب، سيبقى قادراً على استعادة عافيته متى توحدت الإرادات حول مشروع الدولة ومؤسساتها.
وفي هذا السياق، لا يسعنا إلا أن نتوقف عند ما يعانيه أهلنا في الجنوب، الذين دفعوا أثماناً باهظة نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية. إن هؤلاء المواطنين يستحقون أن يعودوا إلى بيوتهم وقراهم آمنين، وأن يستعيدوا حياتهم الطبيعية في ظل أمن واستقرار دائمين.
إن موقف لبنان واضح وثابت، ويتمثل في ضرورة الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة، والالتزام الكامل بالقرارات الدولية، ووضع حد لكل الانتهاكات التي تمس سيادة لبنان وسلامة أراضيه. فلا يمكن أن يتحقق الاستقرار الحقيقي إلا باحترام القانون الدولي وصون حقوق الدول والشعوب.
وبالتوازي مع ذلك، فإن إعادة إعمار الجنوب ليست مجرد استحقاق إنمائي، بل هي أولوية وطنية بامتياز وتشكل مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الدولة اللبنانية، بدعم من الأشقاء والأصدقاء والمجتمع الدولي.
إننا نؤمن بأن الإعمار لا يقتصر على الحجر، بل يبدأ بالإنسان، بتوفير فرص العمل، ودعم التعليم، وتعزيز الاقتصاد المحلي، حتى يبقى اللبنانيون متمسكين بأرضهم، ويسهموا في نهضة وطنهم.
إن إعادة الإعمار يجب أن تسير بالتوازي مع بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، وحصر قرار السلم والحرب بمؤسساتها الدستورية، ودعم موقف رئيس الجمهورية والالتفاف حول الجيش لأن قيام الدولة القوية هو الضمانة الوحيدة لحماية لبنان واللبنانيين وجذب الدعم العربي والدولي.
وإنني على قناعتي الراسخة بأن السجالات العقيمة لا طائل منها وأدعو الى الابتعاد عنها حفظاً للوطن وهيبة الدولة ووأداً للفتنة وصوناً للعيش الواحد بين جميع اللبنانيين.
واسمحوا لي من هنا من طرابلس - الفيحاء قلب لبنان النابض وعنوان العيش الواحد أن أقول إن من يحاول العبث بأمن هذه المدينة ويتجاهل أبناءها في الخدمة العامة. وأطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن تعطى طرابلس اللازم والمطلوب وعلى مستوى ما قدمته طرابلس للوطن.
وثقوا بأننا سنعمل جاهدين لإنهاء معاناة السجناء وتكريس العدالة من خلال إقرار قانون العفو العام. وفي هذا السياق فإنني أثني على موقف كتلة الجمهورية القوية في هذا الملف.
أيها الخريجون،
إن مسؤوليتكم تبدأ اليوم، ولا تنتهي عند الحصول على الشهادة. فأنتم مدعوون إلى حمل رسالة العلم، وإلى الإيمان بقيم الاعتدال والانفتاح والحوار، والعمل من أجل ترسيخ دولة القانون والمؤسسات، الدولة التي تحمي جميع أبنائها، وتؤمن لهم العدالة والكرامة وتكافؤ الفرص.
قد تبدو التحديات كبيرة، لكن لبنان لم يكن يوماً وطناً يستسلم. لقد أثبت تاريخه أن إرادة الحياة فيه أقوى من كل الأزمات، وأن أبناءه، المقيمين والمغتربين، كانوا دائماً شركاء في إعادة بنائه والنهوض به.
أكرر تهنئتي لكم، وأهنئ عائلاتكم الصغرى ووالديكم وأتمنى لكم مستقبلاً زاهراً يليق بطموحاتكم، وأدعو الله أن يحفظ لبنان، وأن يعم الأمن ربوعه، وأن ينعم أبناؤه بالاستقرار الذي يستحقونه.
وليكن شعارنا دوماً "العلم هو نبراس الحياة والنور الذي يبدد ظلمات الجهل"، أما مفتاح النجاح فيبقى رضى الله. وفقكم الله وألف مبروك.

